عبد الكريم الخطيب
1050
التفسير القرآنى للقرآن
وثانيا : جاء الفعل « كذبت » مؤنثا مع أن فاعله مذكر وهو « قوم نوح » . . وكان ظاهر النظم يقضى بأن يجئ الفعل مذكرا هكذا : « كذب » فما سرّ هذا ؟ . . والجواب - واللّه أعلم - أن القوم المكذبين كانوا على طبيعة واحدة من الضلال والعمى ، فكأنهم - بهذا كتلة متضخمة من الظلام ، لا يخرج منها إلا ما هو شر ، وضرّ . . فكأنّ الفعل واقع على هذا الكيان الفاسد ، أو هذه القطعة من الظلام ، والضلال ! . ومن جهة أخرى ، فإن الفعل « كذب مسلط على هؤلاء الأقوام الذين ذكرتهم الآية ، قوم نوح ، وعاد ، وثمود . . . » وهم بهذا أمة واحدة ، في الضلال ، وإن كانوا أمما في الأمكنة والأزمنة . . وثالثا : جاء قوله تعالى : « وَكُذِّبَ مُوسى » مخالفا للنظم ، الذي كان ظاهره يقضى بأن يجئ هكذا : « وكذب قوم موسى » معطوفا على قوله تعالى « وَأَصْحابُ مَدْيَنَ » . . فما وجه هذا ؟ . والجواب - واللّه أعلم - أن قوم موسى ، وهم بنو إسرائيل لم يكذبوه ، وإنما الذي كذبه هو فرعون وقوم فرعون ، وهم ليسوا قوم موسى . . أما السرّ في أنه لم يذكر فرعون وقومه في الأمم والأقوام المكذبة بالرسل فذلك - واللّه أعلم - لأن موسى لم يكن من قوم فرعون ، ورسل اللّه جميعا من أقوامهم . . فلم يكن موسى مبعوثا إلى فرعون وقومه ليقيم فيهم دينا ويؤسس شريعة ، وإنما كانت رسالته إلى فرعون أن يدعوه إلى إطلاق بني إسرائيل من يده كما يقول سبحانه لموسى وما يدعون فرعون إليه : « فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ » ( 47 : طه ) هذه هي رسالة موسى إلى فرعون . .